الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
89
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مائة ألف ، أو يقول : يزيدون . ويرجحه أن المعطوف ب أَوْ غير مفرد بل هو كلام مبيّن ناسب أن يكون الحرف للإضراب . والفاء في فَآمَنُوا للتعقيب العرفي لأن يونس لما أرسل إليهم ودعاهم امتنعوا في أول الأمر فأخبرهم بوعيد بهلاكهم بعد أربعين يوما ثم خافوا فآمنوا كما أشار إليه قوله تعالى : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [ يونس : 98 ] . [ 149 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : آية 149 ] فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ( 149 ) تفريع على ما تقدم من الإنكار على المشركين وإبطال دعاويهم ، وضرب الأمثال لهم بنظرائهم من الأمم ففرع عليه أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بإبطال ما نسبه المشركون إلى اللّه من الولد . فضمير الغيبة من قوله : فَاسْتَفْتِهِمْ عائد على غير مذكور يعلم من المقام . مثل نظيره السابق في قوله : فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا [ الصافات : 11 ] . والمراد : التهكم عليهم بصورة الاستفتاء إذ يقولون : ولد اللّه ، على أنهم قسموا قسمة ضيزى حيث جعلوا للّه البنات وهم يرغبون في الأبناء الذكور ويكرهون الإناث ، فجعلوا للّه ما يكرهون . وقد جاءوا في مقالهم هذا بثلاثة أنواع من الكفر : أحدها : أنهم أثبتوا التجسيم للّه لأن الولادة من أحوال الأجسام . الثاني : إيثار أنفسهم بالأفضل وجعلهم للّه الأقل . قال تعالى : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [ الزخرف : 17 ] . الثالث : أنهم جعلوا للملائكة المقربين وصف الأنوثة وهم يتعيرون بأبي الإناث ، ولذلك كرر اللّه تعالى هذه الأنواع من كفرهم في كتابة غير مرة . فجملة أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ بيان لجملة فَاسْتَفْتِهِمْ . وضمير لِرَبِّكَ مخاطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو حكاية للاستفتاء بالمعنى لأنه إذا استفتاهم يقول : ألربكم البنات ، وكذلك ضمير وَلَهُمُ محكي بالمعنى لأنه إنما يقول لهم : ولكم البنون . وهذا التصرف يقع في حكاية القول ونحوه مما فيه معنى القول مثل الاستفتاء . [ 150 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : آية 150 ] أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ( 150 ) أَمْ منقطعة بمعنى ( بل ) وهي لا يفارقها معنى الاستفهام ، فالكلام بعدها مقدّر